العيني

12

عمدة القاري

مطابقته للترجمة ظاهرة ، والشعبي هو عامر بن شراحيل ، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة عن الأحوص عن أبي إسحاق ، قال : رأيت الشعبي يدخل الحمام وهو صائم . وقال ابنُ عَبَّاسٍ : لا بَأسَ أنْ يتَطَعَّمَ الْقِدْرَ أوِ الشَّيءَ مطابقته للترجمة من حيث إن التطعم من الشيء الذي هو إدخال الطعام في الفم من غير بلغ لا يضر الصوم ، فإيصال الماء إلى البشرة بالطريق الأولى أن لا يضر ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة من طريق عكرمة عنه بلفظ : ( لا بأس أن يتطاعم القدر ) ، ورواه البيهقي عن العمري أنبأنا عبد الله الشريحي أنبأنا أبو القاسم البغوي حدثنا علي بن الجدع أنبأنا شريك عن سليمان عن عكرمة عن ابن عباس ، ولفظه : ( لا بأس أن يتطاعم الصائم بالشيء ) ، يعني المرقة ونحوها . قوله : ( أن يتطعم القدر ) ، بكسر القاف وهو الظرف الذي يطبخ فيه الطعام ، والتقدير : من طعام القدر ، وأراد بقوله : أو الشيء أي شيء كان من المطعومات ، وهو من عطف العام على الخاص ، وقال ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عطاء عنه قال : لا بأس أن يذوق الخل أو الشيء ما لم يدخل حلقه وهو صائم ، وعن الحسن : لا بأس أن يتطاعم الصائم العسل والسمن ونحوه ويمجه ، وعن مجاهد وعطاء : لا بأس أن يتطعم الطعام من القدر ، وعن الحكم نحوه ، وفعله عروة . وفي ( التوضيح ) : وعندنا يستحب له أن يحترز عن ذوق الطعام خوف الوصول إلى حلقه . وقال الكوفيون : إذا لم يدخل حلقه لا يفطر وصومه تام ، وهو قول الأوزاعي . وقال مالك : أكرهه ولا يفطره إن لم يدخل حلقه ، وهو مثل قولنا . وقال ابن عباس : لا بأس أن تمضغ الصائمة لصبيها الطعام ، وهو قول الحسن البصري والنخعي ، وكرهه مالك والثوري والكوفيون إلاَّ لمن لم يجد بدا من ذلك ، وبه صرح أصحابنا . وفي ( المحيط ) : ويكره الذوق للصائم ولا يفطره ، وفيه : لا بأس أن يذوق الصائم العسل أو الطعام ليشتريه ليعرف جيده ورديئه كيلا يغبن فيه متى لم يذقه ، وهو المروي عن الحسن البصري ، ولا بأس للمرأة أن تمضغ الطعام لصبيها إذا لم تجد منه بدا . وقال الحَسَنُ لاَ بأسَ بالمَضْمَضَةِ والتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ مطابقته للترجمة من حيث أن المضمضة جزء للغسل ، وقال بعضهم : وهذا التعليق وصله عبد الرزاق بمعناه قلت : لم يبين ذلك ، بل روى عنه ابن أبي شيبة خلاف ذلك ، فقال : حدثني عبد الأعلى عن هشام عن الحسن أنه كان يكره أن يمضمض الرجل إذا أفطر وإذا أراد أن يشرب . قوله : ( والتبرد ) أعم من أن يكون في سائر جسده أو في بعضه ، مثل ما إذا تبرد بالماء على وجهه أو على رجليه . وقال ابنُ مَسْعُودٍ إذَا كانَ صَوْمُ أحَدِكُمْ فَلْيْصْبحْ دَهِينا مُتَرَجِّلاً ذكر في وجه مطابقته للترجمة وجوه : الأول : أن الإدهان من الليل يقتضي استصحاب أثره في النهار ، وهو مما يرطب الدماغ ويقوي النفس ، فهو أبلغ من الاستعانة ببرد الاغتسال لحظة من النهار ، ثم يذهب أثره . قلت : هذا بعيد جدا ، لأن الادهان في نفسها متفاوتة ، وما كل دهن يرطب الدماغ ، بل فيها ما يضره ، يعرفه من ينظر في علم الطب . وقوله : أبلغ من الاستعانة . . . إلى آخره ، غير مسلم لأن الاغتسال بالماء لتحصيل البرودة والدهن يقوي الحرارة ، وهو ضد ذاك ، فكيف يقول : هو أبلغ . . . ؟ إلى آخره . الوجه الثاني : قاله بعضهم : إن المانع من الاغتسال لعله سلك به مسلك استحباب التقشف في الصيام ، كما ورد مثله في الحج ، والادهان والترجل في مخالفة التقشف كالاغتسال قلت : هذا أبعد من الأول ، لأن الترجمة في جواز الاغتسال لا في منعه ، وكذلك أثر ابن مسعود في الجواز لا في المنع ، فكيف يجعل الجواز مناسبا للمنع ؟ الوجه الثالث ما قيل : أراد البخاري الرد على من كره الاغتسال للصائم ، لأنه إن كرهه خشية وصول الماء إلى حلقه فالعلة باطلة بالمضمضة وبالسواك وبذوق القدر ، ونحو ذلك ، وإن كرهه للرفاهية فقد استحب السلف للصائم الترفه والتجمل والادهان والكحل ونحو ذلك ؟ قلت : هذا أقرب إلى القبول ، ولكن تحقيقه أن يقال : إن بالاغتسال يحصل التطهر والتنظف للصائم ، وهو في ضيافة الله تعالى ينتظر المائدة ، ومن حاله هذه يحسن له التطهر والتنظف